كشفوا لنشرة المعرض تجاربهم كناشرين الناشرون الشباب بين متعة النشر وفعالية التواصل المعرفي

كشفوا لنشرة المعرض تجاربهم كناشرين الناشرون الشباب بين متعة النشر وفعالية التواصل المعرفي


برز عدد من الناشرين الشباب الذين يستمتعون بدور الناشر، وهم في الأصل كتاب ومؤلفون ‏أرادوا أن يحققوا بعض ما طمحوا إليه من أفكار ومحتويات لمن توجهوا إليهم بنشر مؤلفاتهم، فكانت دور نشرهم مختبرات أولية ممتازة لاستقبال المؤلفين وتلبية مطالبهم في كتبهم، بدءاً من التدقيق ومراجعة المحتوى الفكري والأدبي وتحريره، وتوجيه المؤلفين الواعدين بنصائح تقيهم مغبة الفشل في تجاربهم.

تواضع الجودة دافعاً

الروائي إياد عبدالرحمن مدير دار ميلاد للنشر ولتوزيع يقول: "حين قررتُ الدخول إلى مجال النشر، كان اهتمامي الأول هو الإجابة على السؤال الذي يتكررّ بشكل مستمر: تُرى لماذا تَتَّسم غالبية الأعمال الأدبية الشبابية بتواضع جودتها، فوصلتُ إلى قناعة تامة، وذلك من بعد عملية بحث مضنية، بأنها أعمال مكتوبة بواسطة أشخاص، يملكون الطاقة الإبداعية، ولكنهم بحاجة إلى التوجيه. من أجل هذا السبب، عملتُ في بادئ الأمر على إثراء المحتوى المعرفي عبر مجموعة من الأنشطة الثقافية والفعاليات الأدبية وورش الكتابة الإبداعية، واضعاً بعين الاعتبار ضرورة صقل موهبة المؤلف الواعد قبيل توجيههِ إلى النشر، ومن بعد نجاح هذه البرامج التوعوية التطوعية، قمتُ لاحقاً بتأسيس دار نشر متكاملة، تختص بنشر مخرجات هذه البرامج".

وينظر الناشر عبدالرحمن إلى دور المحرر الأدبي في الدفع بعملية النشر بأهمية بالغة قائلاً: "أؤمن بضرورة عمل كل ناشر جنباً إلى جنب مع مؤلفيه؛ كي تخرج أعمالهم إلى الضوء بأتم صورة ممكنة، وهذا يشتمل على ضرورة تفعيل دور المحرر، فالناشر الحقيقي ليس ورَّاقاً فحسب، وإنما صانع محتوى يملك القدرة على خلق ثقافة حقيقية من خلال النقد البناء وإعادة التوجيه وتقديم كافة سبل الدعم الممكنة لعموم لمؤلفين".

ويسرد عبدالرحمن تجربته الشخصية في دار نشره متابعاً: "منذ عام 2015م ونحن نخوض رحلة بحث مستمرة في سبيل الوصول إلى طاقات شبابية تعيننا على إبراز أعمال إبداعية ترتقي بالأدب العربي، ففي منتصف عام 2017م، على سبيل المثال، قمنا بافتتاح صالوننا الأدبي الأول بمدينة الرياض، والذي يمثل منصة عصرية لإقامة ورش الكتابة والأمسيات المرتبطة بإنتاج الأعمال الإبداعية؛ ليتحقق بذلك وعد ميلاد الأزلي، بأن تصبح نقطة لقاء حقيقية لعموم السادة المثقفين وصنّاع الإبداع، ولنصبح على بعض خطواتٍ أقرب من بلوغ غايتنا الأسمى، التحدي الأكبر إن صح التعبير، ألا وهو تفعيل دور المحرر أو الموجه الأدبي كي تحمل الأعمال العربية الشبابية صبغة أكثر نضجاً وتميزاً".

ترجمة ونشر

وبين الترجمة والنشر يجمع المترجم الناشر خالد النصر الله (دار الخان) تجربة فريدة من التخصص في النشر المترجم، يذكر من خلاله بأن امتلاكه تجربة شخصية متدرجة في عالم النشر، بدءاً من الجهد الفردي الخالص، إلى العمل ‏المشترك مروراً بمحاولة تأسيس مطبعة خاصة، ساعدته في خوض تجربة الترجمة ‏والتخصص بها، ويقول "هذا النوع من النشر يتيح لنا الاطلاع على عوالم مختلفة من الكتابات الإبداعية، ‏كما ساعدنا ذلك على كسب معرفة واسعة من خلال البحث المستمر عن الجديد والتوغل في ‏كتابات كلاسيكية مهمة لم ترى النور، فقد عهدنا في دار الخان أن ننشر أعمالاً جديدة خالصة نسعى ‏للحصول على حقوقها أو نسد ثغرات المكتبة العربية في ترجمة عناوين لم يسبق لها الظهور رغم ‏شهرة مؤلفيها.

ويحكي النصر الله بمحبة عن دور الناشر قائلاً: "هذا العمل فيه من المُتَع الكثيرة، بقدر العقبات التي تكمن في كلفتها العالية، فالناشر يضطر لدفع كل ‏المصاريف مُقدمة، كالحقوق والترجمة والتحرير والطباعة وغيرها، مراهناً فقط على اختياره ‏وتسويقه في نجاح الكتاب، خلاف ما يحصل مع نشر الكتب العربية التي لا يتكبد فيها الناشر سوى ‏تكاليف الطباعة، وفي أحوال كثيرة يأخذها من المؤلف الجديد إضافة إلى ‏عقبة كتب شيقة إن وجدت ممثل حقوقها فقد يأخذ ‏وقتاً طويلاً للرد والتفاوض، فعالمنا العربي غير مشجع للناشر بلغات أخرى تبيع مئات الآلاف من النسخ، المميز في الكتب المترجمة أنها مقروءة على نطاق ‏أوسع في البلدان العربية، لكن إقناع أصحاب نقاط البيع وإدارات معارض الكتب، بأهمية الكتب المترجمة والجهد المبذول ‏فيها، ‏أمر مرهق وعسير، فقد يضطرون لاستبعاد بعض دور النشر لعدم توفر مكان شاغر، وهي عقبة ‏أخرى يحاول الناشر الجديد تجاوزها بتوكيل ناشر آخر من الأصدقاء والأحبة".

ويعتبر المترجم الناشر النصر الله أن ما تقوم به داره مغامرة تحتاج إلى الصبر والإيمان بأهمية هذا الدور الذي يأخذ على عاتقه مهام ‏تبصير القارئ العربي على عوالم كثيرة وكبيرة لم يعرفها من قبل. ‏

متعة النشر

من جانبه ينظر الشاعر الناشر معتز قطينة مدير دار رواشن الذي اهتمت دار نشره بكل ما يتعلق بالشعر ودراساته؛ إلى عملية النشر بعمق قائلاً: "قد لا يكون النشر صعباً بعد الحصول على المعرفة الكافية للعمل فيه، لكن صعوبته الحقيقية تكمن في قدرة الناشر على تحقيق معادلة الربط بين جميع أطراف العملية، ابتداءً من استيعاب الكاتب والكتابة، ثم سلسلة لا منتهية من العلاقات متعددة الصلات في إنتاج الكتاب وتسويقه وتوزيعه".

ويرى الشاعر الناشر قطينة بأن متعة النشر تتجاوز متعة القراءة بكل المعايير إلى صناعة المحتوى المقروء، ومناقشته وتحريره، وإنتاجه بصرياً وفق مسارٍ موازٍ للمحتوى، يحاكي الفكرة، ويحقق رؤية الكاتب في تحويل النص إلى كتاب قابل للتداول والانتشار، ورقياً كان أم إلكترونياً. ولا شك أن التطور التقني خلق مساحات جديدة في عمل الناشر، وأتاح له سرعة الوصول والتواصل مع طرفي العملية الأساسيين: الكاتب والقارئ.

ويعلق الناشر قطينة على دور التقنية الذي عقد عملية النشر قائلا: "بقدر ما أسهمت التقنية في تيسير عجلة النشر، إلا أنها راكمت تعقيدات أخرى، تتمثل - إلى جانب النشر الورقي - في متطلبات النشر الإلكتروني، وتحقيق تواجد لائق في شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، كونها المصدر الرئيس في البحث وجمع المعلومات، والوصول إلى القارئ.

ويشير قطينة إلى بعض المعضلات التي واجهته في تجربته كناشر شاب قائلاً: "ربما كان الجانب الأكثر تعقيداً هو ضبط انسيابية العمل بين جميع الأطراف، وهي عملية صعبة تتعلّق بغياب المعيار الموحد للعمل، كونه يستند في الأساس على مادة فنية، تتباين حولها الرؤى والأفكار، ما يتطلب درجة عالية من الاستيعاب والقدرة على النقاش للخروج بأفكار توافقية".